طفلة في الثلاثين من العمر

كل البالغين كانوا أطفالا، لكن قلة منهم يتذكر ذلك.

المشكلة ليست في اننا نكبر، المشكلة هي اننا ننسى.

الاقتباسات هذه من الكتاب الغني عن التعريف: الأمير الصغير لساينت انتوان دي اكسبري.

من اكثر الاقتباسات التي اسمعها تتردد وتتكر عن الكتاب، مما جعلني اتسائل: ماذا يعني ذلك؟ هل تذَكُّر الطفل الذي كنت يعني ان تطلق شعرك و تلبس الالوان المرحة وتستمتع بالأشياء البسيطة و ترقص على انغام الموسيقى وما الى ذلك؟

أرى ان هذه الاشياء مهمة جدا ويجب ان نحافظ على ممارسة الرقص واللعب والاستمتاع في الحياة حتى تبقى قلوبنا صغيرة وارواحنا مرحة و مليئة بالحياة. لكن، لا اعتقد ان هذه الاشياء امور يختص بها الأطفال و لا اؤمن بأن “البالغين” لم يعودوا يهتموا او خسروا الاحساس بالمتعة فقط لأنهم اصبحوا كبارا وانشغلوا في تحمل المسؤوليات ومزاولة العمل وما الى ذلك.

كما اني لا اعتقد ان المتعة تقتصر على المرح، فأنا اشعر بكل المتعة وانا اقضي اوقاتي في هدوء او عند قراءة كتاب او عندما اتأمل الطبيعة من حولي في صمت.

بالإضافة الى ذلك، ها انا شارفت على سن الثلاثين، يعني انا شخص بالغ رسميا منذ وقت طويل، اعمل في وظيفة لا احبها، اهتم بالأشخاص من حولي و لدي الكثير من المسؤوليات. ومع ذلك لا اشعر باني كبرت يوما عن الطفلة التي كنت و انتظر بفارغ الصبر ان ابلغ من العمر ثلاثين عاما حتى اختبر فعلا احساس الكِبَر أو التقدم في السن.

لذلك لم افهم ابدا اقتباسات الامير الصغير، اعتقد انه كان علي ان افهم مالذي يقصده الناس عندما يقولون “شخص بالغ” او “كبير”، حتى افهم مالذي يعنيه بأن لا ننسى اننا كنا اطفالا.

عندما كنت طفلة، كنت اعتقد ان الشخص البالغ هو الشخص القوي، المسؤول والذي يملك الأجوبة لكل سؤال. ولا انكر اني لازلت اعتقد ذلك لأني دائما ما أحول حوار بيني وبين اختي الصغرى الى محاضرة تعليمية طويلة، و أتوتر كلما سألني شخص ولم اعرف الاجابة. اشعر انها مسؤليتي الكبرى حيث اقضي الكثير من الوقت ابحث واسأل حتى امتلك الجواب. لطالما شعرت اني كشخص بالغ فأنا بمكانة المعلّم لمن هو اصغر مني ” وهو اعتقاد صحيح الى حد ما”.

ثم قرأت هذا الاقتباس من كتاب “the bluest eye” او العين الأشد زُرقة لتوني موريسون:

She herself was no longer a child. So she became, and her process of becoming was like most of ours: she developed a hatred for things that mystified or obstructed her; acquired virtues that were easy to maintain; assigned herself a role in the scheme of things; and harked back to simpler times for gratification.

هي نفسها لم تعد طفلة، لقد كبُرت. و عملية صيرورتها تشبه صيرورة معظمنا: نمّت كراهية للأشياء التي تربكها أو تعوقها، و اكتسبت الفضائل التي من السهل المحافظة عليها، وحددت لنفسها دورا في نظام الأشياء، و عادت الى تلك الأوقات البسيطة لتشعر بالرضا.

اول ما خطر على بالي عندما قرأت تلك الأسطر، الزوج الذي “يتمنن” على زوجته و ابناءهم: طيب والمصاريف الي اصرفها والسفريات الي اخذكم، والزوجة التي ايضا “تتمنن” على زوجها وابناءهم: مين ينظف وراكم ويطبخلكم…..

خطر ببالي: اصلا ما حد طلب منكم، انتم اعطيتم نفسكم هذا الدور بالعطاء الدائم حتى نسيتم انفسكم، ثم تلومون الآخرين بأن “عمري ضاع على شانكم”!

“نمّت كراهية للأشياء التي تربكها أو تعوقها” العبارة الأشد وقعا على قلبي، من ملاحظاتي لـ”البالغين” من حولي، اعتقد ان غياب الفضول هو اهم سبب ل”غياب الطفل في داخلنا”. وجدت الامر منطقيا الآن، فعندما يواجه الشخص البالغ سؤالا او مشكلة او شيء جديد فغالبا ما يكون له رأي به و غالبا ما يكون رأي سلبي. لأنه يشعر بالتهديد او النقص، يرتبك لأنه لا يعرف الاجابة، لا يعرف انه باستطاعته البحث، لا يعرف كيف؟ لأنه لم يعد يتمتع بالفضول وحب المعرفه!

“غياب الفضول لمعرفة الاشياء” ينمي فينا الكراهية لكل شيء، فالبالغين لا يحبون الاعتراف بالجهل، هذه الكراهية يتم تفريغها بدون شعور على الناس حولنا سواء نحبهم ونهتم بهم ام لا. لذلك نرى الأم التي تنغمس في استنفاذ طاقتها في الاهتمام في الابناء و الزوج، ومع انه في الغالب تحمل حبا لهم لكن نادرا ما تعبر عنه، بالعكس فانها تضرب او تعاتب ابناءها اكثر مما تحضنهم! و كذلك الاب الي يصف ابنه بال”خبل” اكثر مما يدعيله ” الله يرضى عليك” …

واخيرا: جميعنا نكبر! ولسبب ما!! اغلب الناس يصغر فضولهم كلما كبروا في السن، حتى يختفي الشغف لمعرفة الاشياء، فيضيعون في دوامة المسؤليات ويرددون ما يقوله البالغين من حولهم: عندنا مسؤليات و مافي وقت للأحلام!

خلاصة ما توصلت اليه: ليس من العيب ان نكبر، هو شيء يحدث على كل حال. نحن كل يوم نكبر ولا سبيل لايقاف ذلك او عكسه. وانما العيب ان نكبر كبقية الناس، علينا الا ننسى اننا ولدنا ساذجين وتعلمنا كل شيء بالتدريج فعليا، عن طريق مراقبة الغير و التجربة ثم الفشل ثم اعادة التجربة وهكذا حتى ننجح. ابتداء من المشي الى تعلم القراءة والكتابة…

عزيزي القارئ: لا تنسى انك كنت طفلا اي لا تنسى ان تسأل وتتعلم و ان تكون عفويا وتعبر عن رأيك و مشاعرك بصراحة وليس كما يمليه عليك الناس و المجتمع. لا تضيع في المهام والاعمال اليومية فهي جزء من حياتك وليس انت جزء منها. و الاهم من ذلك لا تسمح للكراهية و الغضب ان يدخلوا و يملؤوا قلبك.

الكاتب: afaneenblog

انا أفنان ولدي أساليبي الخاصة والفريدة في ممارسة الحياة، هنا أكتب لتوثيقها واتعرف على المزيد من الأفانين والمهارات التي امتلكها واطور "أفانين" جديدة

رأيان حول “طفلة في الثلاثين من العمر”

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: